فصل: دامعة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


دار العهد

التّعريف

1 - من معاني العهد في اللّغة‏:‏ الأمان، والذّمّة، واليمين، والحفاظ، ورعاية الحرمة، وكلّ ما بين العباد من المواثيق فهو عهد‏.‏

ودار العهد هي‏:‏ كلّ بلد صالح الإمام أهلها على أن تكون تلك الأرض لهم، وللمسلمين الخراج عنها‏.‏ وتسمّى دار الموادعة، ودار الصّلح، ودار المعاهدة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - دار الحرب‏:‏

2 - دار الحرب هي كلّ بقعة تكون أحكام الكفر فيها ظاهرةً‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ هي كلّ مكان يسكنه غير المسلمين، ولم يسبق فيه حكم إسلاميّ، أو لم تظهر فيه قطّ أحكام الإسلام‏.‏ فدار العهد أخصّ من دار الحرب لوجود المواثيق بين المسلمين وبين أهلها، فلذا اختصّت عن دار الحرب بأحكام سيأتي بيانها‏.‏

ب - دار الإسلام‏:‏

3 - دار الإسلام هي كلّ بلد أو إقليم تظهر فيه أحكام الإسلام‏.‏

ج - دار البغي‏:‏

4 - دار البغي هي المكان الّذي ينحاز إليه قوم مسلمون خرجوا عن طاعة الإمام بتأويل، وغلبوا عليه‏.‏

الأحكام المتعلّقة بدار العهد

5 - يجوز أن يعقد الإمام مع أهل الحرب عهداً للمصلحة يترك بموجبه القتال مدّةً بعوض أو بغير عوض، فتكون تلك الدّار دار عهد‏.‏ وانظر مصطلح‏:‏ ‏(‏هدنة‏)‏‏.‏

وقسّم الفقهاء عقد الصّلح مع أهل الحرب إلى قسمين‏:‏

أ - قسم يشترط في عقد الصّلح أن تكون تلك الأراضي لنا، ونقرّها بأيديهم بخراج يؤدّونه لنا‏.‏ فهذا الصّلح صحيح باتّفاق الفقهاء، ويكون الخراج الّذي يؤدّونه أجرةً لا يسقط بإسلامهم، ويؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى مسلم، وهم يصيرون أهل عهد‏.‏ والدّار دار إسلام ليس لهم أن يتصرّفوا فيها بالبيع، أو الرّهن، فإن دفعوا الجزية عن رقابهم جاز إقرارهم على التّأبيد، وإن منعوا الجزية لم يجبروا عليها، ولم يقرّوا فيها إلاّ المدّة الّتي يقرّ فيها أهل الهدنة‏.‏

ب - وقسم يشترط في عقد الصّلح معهم أن تكون الأرض لهم، فاختلف الفقهاء في جوازه‏.‏ فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه عقد صحيح، والخراج الّذي يؤدّونه في حكم الجزية متى أسلموا يسقط عنهم، ولا تصير الدّار دار إسلام، وتكون دار عهد ولهم بيعها، ورهنها، وإذا انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ خراجها، ويقرّون فيها ما أقاموا على العهد، ولا تؤخذ جزية رقابهم، لأنّهم في غير دار الإسلام، ولهم إحداث كنيسة فيها، لأنّ الأرض لهم وليست دار إسلام فيتصرّفون فيها كيف شاءوا، ولا يمنعون من إظهار شعائرهم فيها كالخمر، والخنزير، وضرب النّاقوس، ولا يمنعون إلاّ ممّا يتضرّر به المسلمون كإيواء جاسوس، ونقل أخبار المسلمين إلى الأعداء، وسائر ما يتضرّر به المسلمون‏.‏ ويجب على الإمام أن يمنع المسلمين والذّمّيّين من التّعرّض لهم‏.‏

وقال الحنفيّة‏:‏ إذا عقد العهد مع الكفّار على أن تجرى في دارهم أحكام الإسلام صارت دارهم بالصّلح دار إسلام، وصاروا أهل ذمّة تؤخذ جزية رقابهم، وإذا طلب قوم من أهل الحرب الموادعة مع المسلمين سنين معلومةً على أن يؤدّوا الخراج للمسلمين على أن لا تجري أحكام الإسلام عليهم في دارهم لم يقبل منهم، إلاّ أن تكون في ذلك مصلحة للمسلمين، فإذا رأى الإمام مصلحةً في عقد العهد معهم بهذا الشّرط جاز بشرط الضّرورة، وهي ضرورة الاستعداد للقتال بأن كان بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوّة المجاوزة إلى قوم آخرين، فلا تجوز عند عدم الضّرورة، لأنّ الموادعة ترك القتال المفروض، فلا يجوز إلاّ في حال يقع وسيلةً إلى القتال، لأنّها حينئذ تكون قتالاً معنىً، قال اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ‏}‏ وعند تحقّق الضّرورة لا بأس به، لقول اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ‏}‏ وقد روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «وادع أهل مكّة عام الحديبية على أن توضع الحرب عشر سنين»‏.‏ ولا يشترط إذن الإمام بالموادعة، حتّى لو وادعهم فريق من المسلمين من غير إذن الإمام جازت موادعتهم، لأنّ المعوّل عليه كون عقد الموادعة مصلحةً للمسلمين‏.‏

ولكنّهم لا يخرجون بهذه الموادعة من أن يكونوا أهل حرب، فإذا صالحهم، فإن كان قد أحاط مع الجيش ببلادهم فما يأخذه منهم على الصّلح يكون غنيمةً يخمّسها، ويقسم الباقي على الجيش، لأنّه توصّل إليه بقوّة السّيف، فإن لم ينزل بساحتهم، وأرسلوا إليه وطلبوا منه الموادعة بالمال، فما يأخذه منهم يكون بمنزلة الجزية، لا خمس فيه، بل يصرف في مصارف الجزية‏.‏

الأمان لأهل دار العهد

6 - يمنع الإمام المسلمين والذّمّيّين من إيذاء أهل دار العهد والتّعرّض لهم، لأنّهم استفادوا الأمان في أنفسهم، وأموالهم بالموادعة، أمّا إن أغار عليهم قوم من أهل الحرب، فلا يجب على المسلمين الدّفاع عنهم، لأنّهم بهذا العهد ‏"‏ الموادعة ‏"‏ ما خرجوا من أن يكونوا أهل حرب، لأنّهم لم ينقادوا لحكم الإسلام، فلا يجب على المسلمين نصرتهم‏.‏ وهذا العهد أو الموادعة‏:‏ عقد غير لازم محتمل للنّقض، فللإمام أن ينبذ إليهم، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء‏}‏ أمّا إذا وقع على أن تجري في دارهم أحكام الإسلام فهو عقد لازم، لا يحتمل النّقض منّا، لأنّ العهد الواقع على هذا الوجه عقد ذمّة‏.‏ والدّار دار إسلام يجري فيها حكم الإسلام‏.‏

فإن نقضوا الصّلح بعد استقراره معهم فقد اختلف فيه‏.‏

فذهب الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمّد إلى أنّ دارهم تصير دار حرب، وقال أبو حنيفة‏:‏ إن كان في دارهم مسلم أو كان بينهم وبين دار الحرب بلد للمسلمين، فتبقى دارهم دار إسلام يجري على أهلها حكم البغاة، وإن لم يكن بينهم مسلم ولا بين دار الحرب بلد للمسلمين، فتكون دار حرب‏.‏

وإذا نقضوا العهد وكان أحد منهم بدارنا يُبَلَّغ مأمنه، أي ما يأمنون فيه منّا ومن أهل العهد، ثمّ كانوا حرباً لنا‏.‏

دالية

التّعريف

1 - من معاني الدّالية في اللّغة‏:‏ الدّلو ونحوها، وخشب يصنع كهيئة الصّليب، ويشدّ برأس الدّلو، ثمّ يؤخذ حبل يربط طرفه بذلك، وطرفه بجذع قائم على رأس البئر ويسقى بها، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، والجمع‏:‏ الدّوالي‏.‏

ويستعمل الفقهاء هذا اللّفظ بالمعنى نفسه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - السّانية‏:‏

2 - السّانية‏:‏ الدّلو الكبيرة تنصب على المسنويّة، ثمّ تجرّه الماشية ذاهبةً وراجعةً، والسّانية أيضاً النّاضحة، وهي النّاقة الّتي يستقى عليها‏.‏

ب - النّاعورة‏:‏

3 - النّاعورة واحدة النّواعير الّتي يستقى بها يديرها الماء ولها صوت‏.‏

فالدّالية، والسّانية، والنّاعورة وسائل رفع الماء إلى الأرض‏.‏

الحكم الإجماليّ

4 - زكاة ما سقي بالدّالية‏:‏ كلّ ما سقي بكلفة ومؤنة من دالية، أو سانية، أو دولاب، أو ناعورة، أو غير ذلك ففيه نصف العشر‏.‏ لحديث معاذ رضي الله عنه قال‏:‏ «بعثني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وأمرني أن آخذ ممّا سقت السّماء وما سقي بعلاً العشر، وما سقي بالدّوالي نصف العشر»‏.‏ ولأنّ للكلفة تأثيراً في إسقاط الزّكاة جملةً بدليل المعلوفة، فلأن يؤثّر في تخفيفها أولى، ولأنّ الزّكاة إنّما تجب في المال النّامي، وللكلفة تأثير في تقليل النّماء، فأثّرت في تقليل الواجب فيها‏.‏

وللتّفصيل في زكاة ما سقي سيحًا وبدالية ونحوها‏.‏ ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏زكاة‏)‏‏.‏

نصب الدّالية على الأنهار

5 - يجوز لكلّ واحد من المسلمين نصب الدّالية على الأنهار العامّة، كالنّيل، ودجلة، والفرات، ونحوها‏.‏ إذا لم يضرّ بالنّهر، لأنّ هذه الأنهار لم تدخل تحت يد أحد فلا يثبت الاختصاص بها لأحد، فكان النّاس كلّهم فيها على السّواء، وكان لكلّ واحد الحقّ في الانتفاع، لكن بشرط عدم الضّرر بالنّهر، كالانتفاع بطريق العامّة، وإن أضرّ بالنّهر فلكلّ واحد من المسلمين منعه، لأنّه حقّ لعامّة المسلمين، وإباحة التّصرّف في حقّهم مشروطة بانتفاء الضّرر، كالتّصرّف في الطّريق الأعظم‏.‏

أمّا النّهر المشترك إذا أراد أحد الشّركاء نصب دالية عليه فينظر فيه، فإن كان لا يضرّ بالشّرب والنّهر، وكان موضع البناء أرض صاحبه جاز، وإلاّ فلا، لأنّ رقبة النّهر وموضع البناء ملك بين الجماعة على الشّركة، وحقّ الكلّ متعلّق بالماء، ولا سبيل إلى التّصرّف في الملك المشترك والحقّ المشترك إلاّ برضا الشّركاء‏.‏ وتفصيل ذلك ينظر في‏:‏ ‏(‏مياه، نهر‏)‏‏.‏

دامعة

التّعريف

1 - الدّامعة في اللّغة‏:‏ من دمعت العين دمعاً، أي سال دمعها، والدّمع‏:‏ ماء العين، وشجّة دامعة‏:‏ تسيل دماً، فالدّامعة من الشّجاج هي الّتي يسيل منها الدّم كدمع العين‏.‏ ويختلف الفقهاء في معنى الدّامعة‏:‏ فالشّافعيّة، والحنابلة، والطّحاويّ، وقاضي زاده من الحنفيّة يسايرون المعنى اللّغويّ، والحنابلة يسمّونها البازلة والدّامية أيضاً‏.‏

وهي عند الحنفيّة على ما جاء في أكثر كتبهم، كالبدائع والكافي وابن عابدين وعامّة الشّروح‏:‏ هي الّتي تظهر الدّم ولا تسيله كالدّمع في العين‏.‏

وعند المالكيّة الدّامعة والدّامية شيء واحد، وهي الّتي تصعق الجلد فيرشح منه دم، كالدّمع من غير أن ينشقّ الجلد‏.‏

الحكم الإجماليّ

2 - الدّامعة إمّا أن تكون عمدًا أو خطأً‏.‏ فإن كانت عمدًا ففيها القصاص عند المالكيّة، وهو ظاهر المذهب عند الحنفيّة، وهو قول عند الشّافعيّة‏.‏ وإنّما يجب القصاص لإمكان المماثلة في الاستيفاء، ولظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والجُرُوحَ قِصَاصٌ‏}‏‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة، وأبو حنيفة في رواية، إلى أنّه لا قصاص فيها لعدم إمكان الاستيفاء بصفة المماثلة، وإنّما فيها حكومة عدل، لأنّه ليس فيها أرش مقدّر ولا يمكن إهدارها فتجب الحكومة، وروي ذلك عن النّخعيّ وعمر بن عبد العزيز‏.‏

وإن كانت الدّامعة خطأً ففيها حكومة عدل، لأنّه لم يرد فيها شيء مقدّر من الشّرع، ولا يمكن إهدارها فوجب فيها حكومة عدل‏.‏

وهذا إذا لم تبرأ الشّجّة، أو برئت على شين، فإذا برئت دون أثر فلا شيء فيها عند المالكيّة والحنابلة وأبي حنيفة، لأنّ الأرش إنّما يجب بالشّين الّذي يلحق المشجوج بالأثر، وقد زال فسقط الأرش‏.‏

وقال أبو يوسف‏:‏ عليه حكومة الألم لأنّ الشّجّة قد تحقّقت ولا سبيل إلى إهدارها، وقد تعذّر إيجاب أرش الشّجّة، فيجب أرش الألم، وقال محمّد‏:‏ يجب قدر ما أنفق من أجرة الطّبيب وثمن الدّواء‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ إذا برئت ولم تنقص شيئاً فوجهان أحدهما‏:‏ لا شيء عليه سوى التّعزير كما لو لطمه أو ضربه بمثقل فزال الألم‏.‏

والثّاني‏:‏ يفرض القاضي شيئاً باجتهاده‏.‏

وتفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏جناية على ما دون النّفس، شجاج، قصاص، دية‏)‏‏.‏

دامغة

التّعريف

1 - الدّامغة في اللّغة‏:‏ من دمغه أي أصاب دماغه، وشجّه حتّى بلغت الشّجّة الدّماغ، والدّامغة من الشّجاج هي الّتي تهشّم الدّماغ ولا حياة معها غالباً‏.‏

وهي عند الفقهاء كذلك، فقد قالوا‏:‏ هي الّتي تخرق خريطة الدّماغ ‏"‏ الجلدة الرّقيقة السّاترة للمخّ ‏"‏ وتصل إليه‏.‏ وهي مذفّفة غالباً‏.‏ ولذلك لم يذكرها محمّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة في الشّجاج للموت بعدها عادةً، فتكون عنده قتلاً لا شجّاً‏.‏

الحكم الإجماليّ

2 - الدّامغة من الشّجاج إن كانت عمداً فلا قصاص فيها إن لم تفض إلى الموت، لأنّه لا يمكن استيفاء القصاص بالمثل لعظم خطرها وخشية السّراية إلى النّفس، ولذلك يستوي في الحكم فيها عمدها وخطؤها‏.‏ وهذا باتّفاق‏.‏

وفيها ثلث الدّية قياساً على المأمومة ‏"‏ الآمّة ‏"‏ لما روي في حديث عمرو بن حزم «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسّنن والدّيات، وفيه‏:‏ في المأمومة ثلث الدّية»‏.‏

وقال الماورديّ من الشّافعيّة، وهو قول عند الحنابلة‏:‏ يجب على الجاني أرش مأمومة وحكومة عدل، لأنّ خرق الجلد جناية بعد المأمومة فوجب لأجلها حكومة‏.‏

وفي قول عند الشّافعيّة‏:‏ تجب دية كاملة‏.‏ وقال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ يجوز أن يقتصّ موضحةً، لأنّه يقتصّ بعض حقّه، ولأنّها داخلة في الجناية يمكن القصاص فيها، ويأخذ الأرش في الباقي عند الشّافعيّة، وهو وجه عند الحنابلة واختاره ابن حامد لأنّه تعذّر القصاص فيه فانتقل إلى البدل، كما لو قطع أصبعيه ولم يمكن الاستيفاء إلاّ من واحدة‏.‏ والوجه الثّاني عند الحنابلة‏:‏ ليس له أرش الباقي، وهو اختيار أبي بكر، لأنّه جرح واحد فلا يجمع فيه بين قصاص ودية‏.‏

ثمّ إنّ الحكم بثلث الدّية إنّما هو إذا عاش المشجوج، أمّا إذا مات بها فإن كانت الجناية عمداً ففيها القصاص في النّفس، وإن كانت خطأً ففيها دية نفس كاملةً‏.‏

دامية

التّعريف

1 - الدّامية في اللّغة‏:‏ من دمي الجرح يدمى دمياً ودمىً‏:‏ خرج منه الدّم والشّجّة الدّامية‏:‏ هي الّتي يخرج دمها ولا يسيل‏.‏ ويختلف الفقهاء في معنى الدّامية‏.‏

فالمالكيّة والشّافعيّة يسايرون المعنى اللّغويّ، إذ يقول المالكيّة‏:‏ هي الّتي تضعّف الجلد فيرشح منه دم من غير أن ينشقّ الجلد‏.‏

ويقول الشّافعيّة‏:‏ هي الّتي تدمي من غير سيلان الدّم‏.‏

وأكثر الحنفيّة يقولون‏:‏ إنّ الدّامية هي الّتي تخرج الدّم وتسيله ولا توضح العظم، وهو ما ذهب إليه الحنابلة الّذين يسمّونها أيضاً البازلة والدّامغة‏.‏

الحكم الإجماليّ

2 - حكم الدّامية هو حكم الدّامعة بكلّ تفاصيله سواء أكانت عمداً أم خطأً‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ دامعة‏)‏‏.‏

دباغة

التّعريف

1 - الدّباغة في اللّغة‏:‏ مصدر دبغ الجلد يدبغه دبغاً ودباغةً، أي عالجه وليّنه بالقرط ونحوه ليزول ما به من نتن وفساد ورطوبة‏.‏

والدّباغة أيضاً اسم يطلق على حرفة الدّبّاغ وهو صاحبها‏.‏

أمّا الدّبغ والدّباغ بالكسر فهما ما يدبغ به الجلد ليصلح‏.‏ والمدبغة موضع الدّبغ‏.‏

وتطلق الدّباغة في اصطلاح الفقهاء على المعنى اللّغويّ نفسه‏.‏

قال الخطيب الشّربينيّ‏:‏ الدّبغ نزع فضول الجلد، وهي مائيّته ورطوباته الّتي يفسده بقاؤها، ويطيّبه نزعها بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه النّتن والفساد‏.‏

ويشترط عند بعض الفقهاء أن يكون الدّبغ بما يحرف الفم، أي يلذع اللّسان بحرافته كالقرظ والعفص ونحوهما، كما سيأتي‏:‏ ‏(‏ف / 7‏)‏‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الصّباغة‏:‏

2 - الصّباغة حرفة الصّبّاغ، والصّبغ والصّبغة والصّباغ بالكسر كلّها بمعنىً، وهو ما يصبغ به، والصّبغ بالفتح مصدر، يقال‏:‏ صبغ الثّوب صبغاً‏:‏ أي لوّنه بالصّباغ، والأصل في معناه التّغيير، ويعرض للجلد وغيره‏.‏

ب - التّشميس‏:‏

3 - التّشميس مصدر شمّست الشّيء إذا وضعته في الشّمس، والمراد به أن يبسط الجلد في الشّمس لتجفّ منه الرّطوبة، وتزول عنه الرّائحة الكريهة‏.‏

واعتبره الحنفيّة ومن معهم دباغاً حكميّاً كما سيأتي‏.‏

ج - التّتريب‏:‏

4 - التّتريب مصدر ترّب، يقال‏:‏ ترّبت الإهاب تتريباً، إذا نثر عليه التّراب لإزالة ما عليه من رطوبة ورائحة كريهة، ويقال أيضاً‏:‏ ترّبت الشّيء إذا وضعت عليه التّراب‏.‏

وهو أيضاً نوع من أنواع الدّباغ الحكميّ عند الحنفيّة ومن معهم‏.‏

مشروعيّة الدّباغة

5 - الدّباغة مباحة، وهي من الحرف الّتي فيها مصلحة للنّاس‏.‏

وقد استدلّوا لجواز الدّباغة بأحاديث منها‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» ولأنّ الدّباغة وسيلة لتطهير الجلود بإزالة ما بها من نتن وفساد فينتفع بها، كما ينتفع من سائر الأشياء الطّاهرة‏.‏

ما يقبل الدّباغة

6 - الجلود هي الّتي تدبغ غالبًا وتطهر بالدّباغ على تفصيل يأتي بيانه‏.‏

وذكر بعض الفقهاء - منهم الحنفيّة - أنّ المثانة والكرش، مثل الإهاب في قبول الدّباغ والطّهارة به، وكذلك الأمعاء‏.‏ قال ابن عابدين نقلاً عن البحر‏:‏ فلو دبغت المثانة وجعل فيها لبن جاز‏.‏ وكذلك الكرش إن كان يقدر على إصلاحه‏.‏

وقال أبو يوسف‏:‏ إنّه لا يطهر، لأنّه كاللّحم، وإذا أصلح أمعاء شاة ميّتة فصلّى وهي معه جاز، لأنّه يتّخذ منها الأوتار وهو كالدّباغ‏.‏

وقال البهوتيّ من الحنابلة‏:‏ وجعل المصران وتراً دباغ، وكذا جعل الكرش، لأنّه هو المعتاد فيه‏.‏

وذكر الحنفيّة أيضاً أنّ جلد الميتة من الحيّة الصّغيرة الّتي لها دم، وكذلك الفأرة لا يقبلان الدّباغ فلا يطهران بالعلاج‏.‏

ما تحصل به الدّباغة

7 - ما يحصل به الدّباغة يسمى دبغاً ودباغاً، واتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في الدّباغ أن يكون منشّفاً للرّطوبة منقياً للخبث، مزيلاً للريح، ولا يشترط أن تكون الدّباغة بفعل فاعل، فإن وقع الجلد في مدبغته بنحو ريح، أو ألقي الدّبغ عليه كذلك فاندبغ به كفى‏.‏

كما لايشترط أن يكون الدّابغ مسلماً‏.‏

وذهب فقهاء المالكيّة والشّافعية وهو قول عند الحنابلة‏:‏ إلى أنّه لا يشترط أن يكون الدّباغ طاهراً، فإنّ حكمة الدّباغ إنّما هي بأن يزيل عفونة الجلد ويهيئه للانتفاع به على الدوام‏.‏ فما أفاد ذلك جاز به، طاهراً كان كالقرظ والعفص، أو نجساً كزرق الطّيور‏.‏

وهل يشترط غسل الجلد أثناء أو بعد الدّباغة‏؟‏ فيه تفصيل يأتي بيانه‏.‏

والمذهب عند الحنابلة أنّه يشترط أن يكون الدّباغ طاهراً، لأنّها طهارة من نجاسة فلم تحصل بنجس، كالاستجمار و الغسل‏.‏

وصرّح جمهور الفقهاء ‏"‏ المالكيّة والشّافعية والحنابلة ‏"‏ بأنّه لايكفي في الدّباغة التشميس، ولا التتريب‏.‏ ثمّ اختلفوا فيما يدبغ به‏.‏ فنقل عن يحيى بن سعيد من المالكيّة أنّ ما دبغ به جلد الميتة من دقيق أو ملح أو قرظ فهو طهور، ثمّ قال‏:‏ وهو صحيح، فإنّ حكمة الدّباغ إنّما هي بأن يزيل عفونة الجلد ويهيئه للانتفاع به على الدّوام فما أفاد ذلك جاز به‏.‏

وقال الشّافعية‏:‏ الدّبغ نزع فضوله، وذلك يحصل بما يحرّف الفم أي يلذع اللسان بحرافته، كالقرظ والعفص وقشور الرّمان، والشث والشب‏.‏ ولو بإلقائه على الدِّبغ بنحو ريح، أو إلقاء الدّبغ عليه كذلك‏.‏ لا شمس وتراب وتجميد وتمليح مما لا ينزع الفضول وإن جفّت وطابت رائحته، لأنّ الفضلات لم تزل، وإنّما جمّدت، بدليل أنّه لو نقع في الماء عادت إليه العفونة‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ لا يحصل الدّبغ بنجس، ولا بغير منشّف للرّطوبة منق للخبث بحيث لو نقع الجلد بعده في الماء فسد، ولا بتشميس ولا بتتريب ولا بريح‏.‏

أما الحنفيّة فتحصل الدّباغة عندهم بكل ما يمنع النتن و الفساد، وقال ابن عابدين‏:‏ وما يمنع على نوعين حقيقي كالقرظ والشب والعفص ونحوه، وحكمي كالتتريب و التشميس و الإلقاء في الريح‏.‏ ولو جف ولم يستحل لم يطهر‏.‏

ولا فرق بين الدّباغ الحقيقي و الحكمي عند الحنفيّة إلا في حكم واحد، وهو أنّه لو أصاب الماء جلد الميتة بعد الدّباغ الحقيقي لا يعود نجساً باتّفاق الروايات عندهم، وفيما بعد الدباغ الحكمي روايتان‏.‏

أثر الدّباغة في تطهير الجلود

8 - جمهور الفقهاء على أنّ جلد الآدميّ طاهر حيّاً أو ميّتاً، مسلماً كان أو كافراً، وأنّه ليس محلّاً للدّباغة أصلاً‏.‏

واتّفق الفقهاء على أنّ جلد الحيوان المأكول اللّحم كالإبل والغنم والبقر والظّباء ونحوها طاهر قبل الذّبح وبعده، سواء أدبغ أم لم يدبغ‏.‏ وكذلك ميتة السّمك والجراد ونحوهما ممّا لا نفس له سائلةً‏.‏

ولا خلاف بين الفقهاء في نجاسة جلود ميتة الحيوانات قبل الدّباغ، وعرّفوا الميتة بأنّها الميّت من الحيوان البرّيّ الّذي له نفس سائلة، مأكولة اللّحم أو غيره، مات حتف أنفه أو بذكاة غير شرعيّة، كمذكّى المجوسيّ أو الكتابيّ لصنمه، أو المحرم لصيد، أو المرتدّ أو نحوه‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ ميتة‏)‏‏.‏

9- واختلفوا في طهارة جلود الميتة بالدّباغة على التّفصيل التّالي‏:‏

ذهب الحنفيّة والشّافعيّة - وهو رواية عن أحمد في جلد ميتة مأكول اللّحم - إلى أنّ الدّباغة وسيلة لتطهير جلود الميتة، سواء أكانت مأكولة اللّحم أم غير مأكولة اللّحم، فيطهر بالدّباغ جلد ميتة سائر الحيوانات إلاّ جلد الخنزير عند الجميع لنجاسة عينه، وإلاّ جلد الآدميّ لكرامته لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ‏}‏ واستثنى الشّافعيّة أيضاً جلد الكلب، كما استثنى محمّد من الحنفيّة جلد الفيل‏.‏

واستدلّوا لطهارة جلود الميتة بالدّباغة بأحاديث، منها‏:‏

أ - قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أيّما إهاب دبغ فقد طهر»‏.‏

ب - وبما روى سلمة بن المحبّق «أنّ نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك دعا بماء من عند امرأة، قالت‏:‏ ما عندي إلاّ في قربة لي ميّتة‏.‏ قال‏:‏ أليس قد دبغتها‏؟‏ قالت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فإنّ دباغها ذكاتها»‏.‏

ج - وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال‏:‏ «تصدّق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمرّ بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به‏؟‏ فقالوا‏:‏ إنّها ميتة، فقال‏:‏ إنّما حرم أكلها»‏.‏

واستدلّوا بالمعقول أيضاً، وهو أنّ الدّبغ يزيل سبب النّجاسة وهو الرّطوبة والدّم، فصار الدّبغ للجلد كالغسل للثّوب، ولأنّ الدّباغ يحفظ الصّحّة للجلد ويصلحه للانتفاع به كالحياة، ثمّ الحياة تدفع النّجاسة عن الجلود فكذلك الدّباغ‏.‏

أمّا استثناء جلد الخنزير فلأنّه نجس العين، أي أنّ ذاته بجميع أجزائها نجسة حيّاً وميّتاً، فليست نجاسته لما فيه من الدّم أو الرّطوبة كنجاسة غيره من ميتة الحيوانات، فلذا لم يقبل التّطهير‏.‏

واستدلّ الشّافعيّة لاستثناء الكلب بأنّه ورد في الحديث الصّحيح أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات أولاهنّ بالتّراب»‏.‏ والطّهارة تكون لحدث أو خبث، ولا حدث على الإناء فتعيّن أنّ الولوغ سبب للخبث بسبب نجاسة فم الكلب، فبقيّة أجزاء الكلب أولى بالنّجاسة، وإذا كانت الحياة لا تدفع النّجاسة عن الكلب فالدّباغ أولى، لأنّ الحياة أقوى من الدّباغ بدليل أنّها سبب لطهارة الجملة، والدّباغ وسيلة لطهارة الجلد فقط‏.‏

واستدلّ الحنفيّة لطهارة جلد الكلب بالدّباغة بعموم الأحاديث الّتي تقدّمت‏.‏

والكلب ليس نجس العين عندهم في الأصحّ، وكذلك الفيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقد روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم «كان يمتشط بمشط من عاج»، وفسّره الجوهريّ وغيره بعظم الفيل‏.‏

10 - وقال المالكيّة في المشهور المعتمد عندهم والحنابلة في المذهب بعدم طهارة جلد الميتة بالدّباغة، لما روى عبد اللّه بن عكيم قال‏:‏ «أتانا كتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر أو شهرين‏:‏ ألاّ تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»‏.‏

وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «كنت رخّصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»‏.‏

وأجاب المالكيّة عن الأحاديث الواردة في طهارة الجلد بالدّباغ بأنّها محمولة على الطّهارة اللّغويّة أي النّظافة، ولذا جاز الانتفاع به في حالات خاصّة كما سيأتي‏.‏ وروي عن سحنون وابن عبد الحكم من المالكيّة قولهما‏:‏ بطهارة جلد جميع الحيوانات بالدّباغة حتّى الخنزير‏.‏

11 - وروي عن أحمد أنّه يطهر بالدّباغة جلد ميتة ما كان طاهرًا في الحياة، من إبل وبقر وظباء ونحوها، ولو كان غير مأكول اللّحم، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» فيتناول المأكول وغيره، وخرج منه ما كان نجساً في حال الحياة لكون الدّبغ إنّما يؤثّر في دفع نجاسة حادثة بالموت فيبقى ما عداه على قضيّة العموم‏.‏

كما روي عن أحمد قوله‏:‏ بطهارة جلود ميتة مأكول اللّحم فقط، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ذكاة الأديم دباغه» والذّكاة إنّما تعمل فيما يؤكل لحمه، فكذلك الدّباغ‏.‏

غسل الجلد المدبوغ

12 - لم يذكر الحنفيّة ضرورة غسل الجلد المدبوغ أثناء الدّباغة ولا بعدها، فالظّاهر من كلامهم طهارة الجلد بمجرّد الدّبغ قبل الغسل، كما هو وجه عند الحنابلة أيضاً، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» ولأنّه طهر بانقلابه، فلم يفتقر إلى استعمال الماء كالخمرة إذا انقلبت خلّاً‏.‏

والوجه الثّاني عند الحنابلة أنّ الطّهارة لا تحصل بمجرّد الدّبغ بل تحتاج إلى الغسل لقوله صلى الله عليه وسلم في جلد الشّاة الميّتة‏:‏ «يطهّرها الماء والقرظ»‏.‏

والأصحّ عند الشّافعيّة عدم اشتراط غسل الجلد أثناء الدّباغة تغليباً لمعنى الإحالة، ولحديث مسلم‏.‏ «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» ولم يذكر فيه الغسل‏.‏

ومقابل الأصحّ يشترط غسله أثناء الدّباغة تغليباً لمعنى الإزالة، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر‏:‏ «يطهّرها الماء والقرظ» وحمل الأوّل على النّدب، أمّا بعد الدّباغة فالأصحّ عندهم وجوب غسله بالماء، لأنّ المدبوغ يصير كثوب نجس أي متنجّس لملاقاته للأدوية النّجسة‏.‏ أو الّتي تنجّست به قبل طهره فيجب غسله لذلك‏.‏

طرق الانتفاع بالجلد المدبوغ

أ - أكل جلد الميتة المدبوغ‏:‏

13 - لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز أكل جلد الميتة من الحيوان غير المأكول اللّحم سواء أكان قبل الدّبغ أم بعده‏.‏ وكذلك في جلد ميتة مأكول اللّحم قبل دبغه، فإنّه يحرم أكله اتّفاقاً، أمّا بعد دبغه فجمهور الفقهاء ‏"‏ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو الأصحّ المفتى به عند الشّافعيّة ‏"‏ على عدم جواز أكله أيضاً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيكُم المَيْتَةُ‏}‏ والجلد جزء منها‏.‏ ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الميتة‏:‏ «إنّما حرم أكلها»‏.‏

وحكي عن أبي حامد، وهو وجه لأصحاب الشّافعيّ جواز أكله بعد الدّبغ، ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ذكاة الأديم دباغه»‏.‏ولأنّه جلد طاهر من حيوان مأكول اللّحم فأشبه المذكّى‏.‏

ب - استعمال الجلد المدبوغ والتّعامل به‏:‏

14 - إذا قلنا بطهارة الجلد المدبوغ - غير جلد السّباع - فيصحّ بيعه، وإجارته، واستعماله، والانتفاع به في كلّ ما يمكن الانتفاع به سوى الأكل‏.‏

وقيّد المالكيّة وهو رواية عن الحنابلة جواز استعماله في اليابسات فقط، حيث قال المالكيّة‏:‏ يجوز استعماله في اليابسات بأن يوعى فيه العدس والفول ونحوهما، ويغربل عليها، ولا يطحن لأنّه يؤدّي إلى تحليل بعض أجزائه فتختلط بالدّقيق‏.‏ لا في نحو عسل ولبن وسمن وماء زهر‏.‏ ويجوز لبسها في غير الصّلاة لا فيها‏.‏

كما يجوز استعماله عند المالكيّة في الماء أيضاً، لأنّ له قوّة الدّفع عن نفسه لطهوريّته فلا يضرّه إلاّ إذا تغيّر أحد أوصافه‏.‏

أمّا جلود السّباع ففيها خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏جلد ف / 14‏)‏‏.‏

دبّاء

التّعريف

1 - الدّبّاء في اللّغة‏:‏ القرع، قيل‏:‏ الدّبّاء المستدير منه وقيل‏:‏ اليابس، وواحده الدّبّاءة‏.‏ والمراد بها عند الفقهاء في موضوع الأشربة القرعة اليابسة المتّخذة وعاءً للانتباذ فيه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الحنتم‏:‏

2 - الحنتم جرار مدهونة خضر، كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة قبل التّحريم ثمّ اتّسع فيها فقيل للخزف كلّه‏:‏ حنتم، وواحدتها حنتمة‏.‏

ب - المزفّت‏:‏

3 - المزفّت هو الإناء الّذي طلي بالزّفت، وهو نوع من القار، ويقال له أيضاً‏:‏ المقيّر‏.‏

ج - النّقير‏.‏

4 - النّقير هو جذع النّخلة ينقر ويجعل ظرفاً كالقصعة‏.‏

وهذه الأوعية كلّها تشترك في أنّ ما يوضع من الشّراب قيها يسرع إليه التّخمّر‏.‏

الحكم الإجماليّ

الانتباذ في الدّبّاء‏:‏

5 - ذهب جمهور الفقهاء ‏"‏ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على الصّحيح عندهم ‏"‏ إلى جواز الانتباذ في الدّبّاء، ويقولون‏:‏ إنّ ما ورد من النّهي عن الانتباذ فيها إنّما كان أوّلاً ثمّ نسخ، فقد روي عن بريدة أنّ النّبيّ عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ «كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كلّ وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً» وفي رواية‏:‏ «نهيتكم من الظّروف وإنّ الظّروف - أو ظرفًا - لا يحلّ شيئًا ولا يحرّمه وكلّ مسكر حرام»‏.‏

قال النّوويّ‏:‏ كان الانتباذ في المزفّت والدّبّاء والحنتم والنّقير منهيّاً عنه في أوّل الإسلام خوفاً من أن يصير مسكراً فيها، ولا يعلم به لكثافتها فتتلف ماليّته، وربّما شربه الإنسان ظانّاً أنّه لم يصر مسكراً، فيصير شارباً للمسكر، وكان العهد قريباً بإباحة المسكر فلمّا طال الزّمان واشتهر تحريم المسكر، وتقرّر ذلك في نفوسهم، نسخ النّهي وأبيح لهم الانتباذ في كلّ وعاء بشرط أن لا يشربوا مسكراً، وهذا صريح قوله صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث بريدة‏.‏

وذهب مالك وأحمد في رواية والثّوريّ وإسحاق إلى كراهة الانتباذ في الدّبّاء، وهو مرويّ عن ابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم، «لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ في الدّبّاء والنّقير والمزفّت والحنتم»‏.‏

ويرى هذا الفريق من الفقهاء أنّ النّهي المتقدّم الّذي نسخ إنّما كان نهياً عن الانتباذ مطلقاً، أمّا النّهي عن الانتباذ في الدّبّاء وغيرها من الأوعية المذكورة في الحديث فهو باق - عندهم - سدّاً للذّرائع لأنّ هذه الأوعية تعجّل شدّة النّبيذ‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ أشربة ف / 18 ج /5 ص /21‏)‏‏.‏ هذا وللتّفصيل في تطهير الدّبّاء وغيرها من الأوعية إذا استعمل فيها الخمر ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏نجاسة‏)‏‏.‏

دبر

التّعريف

1 - الدُّبُر بضمّتين خلاف القبل‏.‏ ودبر كلّ شيء عقبه‏.‏ ومنه يقال لآخر الأمر دبر‏.‏

وأصله ما أدبر عنه الإنسان‏.‏ والدّبر الفرج وجمعه أدبار‏.‏ وولّاه دبره كناية عن الهزيمة‏.‏ ومنه قوله تعالى ‏{‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ‏}‏‏.‏

والمراد به هنا خلاف القبل من الإنسان والحيوان‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - القبل‏:‏

2 - القبل بضمّتين وبسكون الباء، ومن معانيه فرج الإنسان من الذّكر والأنثى‏.‏ وقيل هو للأنثى خاصّةً‏.‏ والقبل من كلّ شيء خلاف دبره‏.‏ وعلى ذلك فالقبل مقابل الدّبر‏.‏

ب - الفرج‏:‏

3 - الفَرْج بفتح الفاء وسكون الرّاء الخلل بين الشّيئين، وجمعه فروج، والفرجة كالفرج، والفرج العورة‏.‏ والغالب استعمال الفرج في القبل من الذّكر والأنثى‏.‏

وقد يشمل القبل والدّبر معاً في اصطلاح الفقهاء‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالدّبر

النّظر إلى الدّبر ومسّه‏:‏

4 - الدّبر من العورة المغلّظة عند جميع الفقهاء، فلا يجوز كشفه والنّظر إليه لغير الزّوج والزّوجة، بدون ضرورة‏.‏

أمّا الزّوجان فجمهور الفقهاء على جواز نظر الزّوج لجميع أجزاء بدن الزّوجة، كما يجوز لها أن تنظر منه ما أبيح له النّظر إليه منها‏.‏

وصرّح بعض الفقهاء منهم الشّافعيّة بكراهة النّظر إلى الفرج مطلقاً ولو من نفسه بلا حاجة، لما روت عائشة رضي الله عنها أنّها قالت‏:‏ «ما رأيت منه ولا رأى منّي»‏.‏

وتفصيل هذه المسائل في مصطلحي‏:‏ ‏(‏عورة، ونظر‏)‏‏.‏

نقض الوضوء بمسّ الدّبر

5 - ذهب الحنفيّة - وهو القول القديم للشّافعيّ ورواية عند الحنابلة - إلى عدم نقض الوضوء بمسّ الدّبر مطلقاً سواء كان من نفسه أم من غيره، وسواء أكان بحائل أم بغير حائل‏.‏

وقال الشّافعيّة في الجديد‏:‏ ينتقض الوضوء بمسّ حلقة الدّبر بباطن الكفّ من غير حائل سواء أكان من نفسه أم من غيره، ولا يشترط في نقض الوضوء أن يكون المسّ بتلذّذ عندهم‏.‏ وكذا قال الحنابلة - في المعتمد - غير أنّهم لم يقيّدوه بباطن، بل ينتقض بمسّه بظهر اليد أو باطنها أو حرفها‏.‏

واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من مسّ فرجه فليتوضّأ»، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر أو حجاب فليتوضّأ»‏.‏

أمّا المالكيّة فلا ينتقض الوضوء عندهم بمسّ الدّبر إذا كان من نفسه‏.‏ أمّا مسّ دبر الغير فحكمه عندهم حكم اللّمس، إذا التذّ به صاحبه أو قصد اللّذّة ينتقض، وإلاّ لا ينتقض‏.‏ وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏حدث‏)‏‏.‏

الاستنجاء

6 - ذكر الفقهاء في آداب قضاء الحاجة والاستنجاء أنّه يندب إزالة ما في المحلّ من أذىً بماء أو حجر باليد اليسرى، ويندب إعداد مزيل الأذى من جامد طاهر أو مائع، كما يندب استعمال الجامد وتراً، وتقديم القبل على الدّبر احترازاً من تنجّس يده بما على المخرج على خلاف للفقهاء في بعض الأمور‏.‏ وتفصيله في مصطلحي‏:‏ ‏(‏استنجاء واستجمار‏)‏‏.‏

أثر ما يخرج من الدّبر

7 - الخارج المعتاد من الدّبر كالنّجاسة والرّيح ناقض للوضوء باتّفاق الفقهاء‏.‏

أمّا الخارج غير المعتاد كالحصى والدّود والشّعر ففيه خلاف بين المذاهب نجمله فيما يأتي‏:‏ ذهب جمهور الفقهاء ‏"‏ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‏"‏ إلى أنّه ناقض للوضوء، سواء أكان جافّاً أم مبلولاً بنجاسة‏.‏

وقال المالكيّة في المشهور عندهم‏:‏ إنّ الخارج غير المعتاد كحصىً تولّد بالبطن، ودود، لا ينقض الوضوء ولو مبلولاً بغائط غير متفاحش بحيث ينسب الخروج للحصى والدّود لا للغائط‏.‏

والقول الثّاني عندهم‏:‏ أنّه ناقض للوضوء إذا كان غير نقيّ‏.‏ وتفصيله في‏:‏ ‏(‏حدث‏)‏‏.‏

أثر ما يدخل في دبر الصّائم

8 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ وصول عين من الأعيان من الخارج إلى الجوف وإن قلّت أو لم تكن ممّا يؤكل كسمسمة أو حصاة، ولو بالحقنة مفطر للصّوم، لأنّ الصّوم إمساك عن كلّ ما يصل إلى الجوف‏.‏ وعلى ذلك فما دخل في دبر الصّائم من خشبة أو حصاة ولو كانت صغيرةً وغير مبلولة يفطر‏.‏ وكذلك لو أدخل أصبعه في دبر جافّةً كانت أم مبلولةً‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ الصّوم يفسد بالدّخول، والوضوء ينتقض بالخروج، فإذا أدخل عوداً جافّاً ولم يغيّبه لا يفسد الصّوم، لأنّه ليس بداخل من كلّ وجه‏.‏ ومثله الأصبع الجافّة‏.‏

وإن غيّب العود أو نحوه فسد وإن كان جافّاً لتحقّق الدّخول الكامل‏.‏

وكذلك يفسد الصّوم إذا أدخل شيئاً من العود أو الأصبع في دبره مبتلّاً، كما في حالة الاستنجاء، لاستقرار البلّة في الجوف‏.‏ وإذا أدخلهما يابسةً لا يفسد الصّوم على المختار عندهم، لأنّها ليست آلة الجماع ولا تعتبر داخلةً من كلّ وجه ولم تنقل البلّة إلى الدّاخل‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ ما وصل للمعدة من منفذ عال مفسد للصّوم مطلقاً سواء أكان متحلّلاً أم غير متحلّل، وسواء أكان عمداً أم سهواً‏.‏ وهذا هو المختار عند اللّخميّ‏.‏ وذهب ابن الماجشون إلى أنّ للحصاة حكم الطّعام يوجب في السّهو القضاء، وفي العمد القضاء والكفّارة‏.‏

وإن كان من منفذ سافل - كالدّبر مثلاً - فلا يفسد إذا كان جامداً، ويفسد إذا كان متحلّلاً، والمراد بالمتحلّل المائع، أي ما ينماع ولو في المعدة، بخلاف غير المتحلّل الّذي لا ينماع في المعدة، كدرهم وحصاة‏.‏

وصرّح المالكيّة بأنّ الحقنة من مائع في الدّبر توجب القضاء على المشهور عندهم بخلاف الحقنة بالجامد فلا قضاء، كما لا قضاء في فتائل عليها دهن لخفّتها‏.‏

وفي المسألة تفصيل ينظر في‏:‏ ‏(‏صوم‏)‏‏.‏

الاستمتاع بدبر الزّوجة

9 - ذهب جمهور الفقهاء بجواز استمتاع الزّوج بظاهر دبر زوجته ولو بغير حائل، بشرط عدم الإيلاج، لأنّه كسائر جسدها، وجميعه مباح، إلاّ ما حرّم اللّه من الإيلاج‏.‏

وهذا في غير الحائض‏.‏ أمّا في الحائض فقيّدوا جواز الاستمتاع بما بين ركبتيها وسرّتها دون الإيلاج بأن يكون بحائل‏.‏ على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏حيض‏)‏‏.‏

الوطء في الدّبر

أ - وطء الذّكور‏:‏

10 - اتّفق الفقهاء على تحريم الإتيان في دبر الرّجال، وهو ما يسمّى باللّواط، وقد ذمّ اللّه تعالى في كتابه المجيد، وعاب من فعله، فقال‏:‏ ‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ‏}‏‏.‏ وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لعن اللّه من عمل عمل قوم لوط ثلاثاً»‏.‏ وفي عقوبة فاعله، والأحكام المترتّبة عليه تفصيل ينظر في‏:‏ ‏(‏لواط‏)‏‏.‏

ب - وطء الأجنبيّة في دبرها‏:‏

11 - اتّفق الفقهاء على حرمة إتيان الأجنبيّة في دبرها، وألحقه أكثر الفقهاء بالزّنى في الحكم‏.‏ وفي ذلك تفصيل ينظر في‏:‏ ‏(‏زنىً، لواط‏)‏‏.‏

ج - وطء الزّوجة في دبرها‏:‏

12 - لا يحلّ وطء الزّوجة في الدّبر‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في ‏(‏وطء‏)‏‏.‏

د - وطء البهيمة والحيوان‏:‏

13 - لا خلاف بين الفقهاء في حرمة وطء الحيوان في دبره أو قبله‏.‏

وينظر تفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏وطء‏)‏‏.‏

دخان

التّعريف

1 - دخان النّار معروف، وجمعه أدخنة، ودواخن، ودواخين، يقال‏:‏ دخنت النّار‏:‏ ارتفع دخانها، ودخنت‏:‏ إذا فسدت بإلقاء الحطب عليها حتّى هاج دخانها، وقد يضع العرب الدّخان موضع الشّرّ إذا علا، فيقولون‏:‏ كان بيننا أمر ارتفع له دخان‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنّ الدّخان قد مضى‏.‏ ومن إطلاقاته أيضاً‏:‏ التّبغ والبخار، وقد مرّ تفصيل أحكامهما في مصطلحي‏:‏ ‏(‏بخار، وتبغ‏)‏‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالدّخان

دخان النّجاسة

2 - اختلف الفقهاء في طهارة الدّخان المتصاعد من النّجاسة‏:‏ فذهب الحنفيّة على المفتى به، والمالكيّة في المعتمد، وبعض الحنابلة، إلى أنّ دخان النّجاسة طاهر‏.‏

قال الحنفيّة‏:‏ إنّ ذلك على سبيل الاستحسان دفعاً للحرج، وللضّرورة وتعذّر التّحرّز‏.‏

وذهب الشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة في المذهب، وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّ دخان النّجاسة كأصلها، وظاهر كلام الرّمليّ من الشّافعيّة أنّ قليله معفوّ عنه مطلقاً، وعلى هذا فمناستصبح بدهن نجس، يعفى عمّا يصيبه من دخان المصباح لقلّته‏.‏ وأمّا عند ابن حجر الهيتميّ فيعفى عن قليله إن لم يكن من مغلّظ، وإلاّ فلا يعفى عنه قليلاً كان أو كثيراً‏.‏

فساد الصّوم بالدّخان

3 - ذهب الفقهاء إلى أنّ الصّائم لو أدخل في حلقه الدّخان أفطر، سواء كان دخان تبغ، أو عود، أو عنبر، أو غير ذلك إذا كان ذاكراً للصّوم‏.‏ إذ يمكن التّحرّز عنه‏.‏ وأمّا إذا وصل إلى حلقه دون قصد، فلا يفسد به الصّوم، لعدم إمكان التّحرّز عنه، لأنّه إذا أطبق الفم، دخل من الأنف‏.‏ وفي استنشاق الدّخان عمداً خلاف وتفصيل، ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏صوم‏)‏‏.‏

القتل بالدّخان

4 - من حبس شخصاً في بيت وسدّ منافذه فاجتمع فيه الدّخان وضاق نفسه فمات، ففيه القصاص عند الشّافعيّة والحنابلة، وهو مقتضى قواعد المالكيّة إن قصد بذلك موته، أمّا إن قصد مجرّد التّعذيب فالدّية‏.‏

وأمّا الحنفيّة فقواعدهم تأبى وجوب القصاص، وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏قصاص، ودية‏)‏‏.‏

إيذاء الجار بالدّخان

5 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى أنّ من أراد أن يبني في داره تنّوراً للخبز الدّائم كما يكون في الدّكاكين، يمنع، لأنّه يضرّ بجيرانه ضرراً فاحشاً لا يمكن التّحرّز عنه، إذ يأتي منه الدّخان الكثير‏.‏

وذهب الشّافعيّة، وهو رواية عن أحمد، وبه قال بعض أصحاب أبي حنيفة‏:‏ إلى أنّه لا يمنع، لأنّه تصرّف في خالص ملكه، ولم يتعلّق به حقّ غيره، فلم يمنع منه كما لو طبخ في داره أو خبز فيها‏.‏

أمّا دخان التّنّور المعتاد في البيوت، ودخان الخبز والطّبيخ فلا خلاف في أنّه لا يمنع، لأنّ ضرره يسير، ولا يمكن التّحرّز عنه، فتدخله المسامحة‏.‏

وإذا طبخ الجار ما يصل دخانه أو رائحته إلى جاره استحبّ له أن يهديه من ذلك الطّعام لحديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص في ذكر حقوق الجار، ذكر منها‏:‏ «ولا تؤذه بقتار ريح قدرك إلاّ أن تغرف له منها»‏.‏

دخول

التّعريف

1 - الدّخول في اللّغة نقيض الخروج‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ هو الانفصال من الخارج إلى الدّاخل‏.‏ ويطلق أيضاً على الوطء على سبيل الكناية‏.‏ قال المطرّزيّ‏:‏ سواء أكان الوطء مباحاً أو محظوراً‏.‏

وقال الفيّوميّ‏:‏‏"‏ دخل بامرأته دخولاً، كناية عن الجماع أوّل مرّة وغلب استعماله في الوطء المباح ‏"‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ‏}‏‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الخروج‏:‏

2 - الخروج في اللّغة نقيض الدّخول‏.‏ والخروج أيضاً‏:‏ أوّل ما ينشأ من السّحاب، قال الأخفش‏:‏ يقال للماء الّذي يخرج من السّحاب‏:‏ خروج‏.‏

فالدّخول، والخروج بالمعنى الأوّل ضدّان، وبالمعنى الثّاني متباينان‏.‏

الحكم التّكليفيّ

3 - للدّخول بإطلاقيه أحكام تعتريه، وهي تختلف باختلاف مواطنها، واختلاف ما يتعلّق به الدّخول‏.‏ ونجمل أهمّها فيما يلي‏:‏

أوّلاً‏:‏ أحكام الدّخول بالإطلاق الأوّل

دخول المسجد‏:‏

4 - يستحبّ لمن أراد دخول المسجد أن يقدّم رجله اليمنى، ويؤخّر اليسرى عند الدّخول، ويستحبّ أن يقول‏:‏ «اللّهمّ افتح لي أبواب رحمتك» وقد ورد أنّه يقال‏:‏ «أعوذ باللّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشّيطان الرّجيم» و «باسم اللّه، اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد وسلّم، اللّهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»‏.‏ ويستحبّ لمن دخل المسجد صلاة ركعتين تحيّة المسجد‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏مسجد‏)‏‏.‏

دخول مكّة‏:‏

5 - يختلف حكم دخول مكّة باختلاف الدّاخل‏:‏ فالآفاقيّ لا يجوز له دخولها إلاّ محرماً، سواء أدخلها حاجّاً أم معتمراً، واختلف فيما إذا دخلها لغير النّسك‏.‏

ومن كان داخل الميقات فله أن يدخل مكّة بغير إحرام لحاجته، لأنّه يتكرّر دخوله لحاجته، وأمّا للحجّ فلا يجوز له دخولها من غير إحرام، لأنّه لا يتكرّر، وكذا لأداء العمرة، لأنّه التزمها بنفسه‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏إحرام‏)‏‏.‏

ولا بأس بدخول مكّة ليلاً أو نهاراً، عند الحنفيّة والحنابلة‏.‏

وقال المالكيّة والشّافعيّة‏:‏ يستحبّ أن يكون نهارًا‏.‏

ويستحبّ الدّخول من باب بني شيبة عند دخول مكّة اقتداءً بفعله صلى الله عليه وسلم كما يستحبّ أن يقول عند الدّخول الأدعية المأثورة، وتفصيلها في مصطلح‏:‏ ‏(‏حجّ، وإحرام‏)‏‏.‏

دخول الحائض والجنب المسجد‏:‏

6 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يجوز للحائض والنّفساء دخول المسجد، والمكث فيه ولو بوضوء‏.‏ وكذلك الحكم في الجنب سواء أكان رجلاً أم امرأةً، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ «جاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبيوت أصحابه شارعةً في المسجد، فقال‏:‏ وجّهوا هذه البيوت، فإنّي لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب»‏.‏

واستثنى الفقهاء الدّخول في هذه الحالة إذا كان للضّرورة كالخوف على نفس أو مال، أو كأن يكون بابه إلى المسجد ولا يمكنه تحويله ولا السّكنى في غيره‏.‏

واختلفوا في دخوله مارّاً، فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يجوز دخوله للحائض والجنب ولو مارّاً من باب لباب‏.‏ إلاّ أن لا يجد بدّاً فيتيمّم ويدخل‏.‏ وبه قال الثّوريّ وإسحاق‏.‏

وعند الشّافعيّة والحنابلة لا يمنع الجنب من العبور، وإليه ذهب ابن مسعود وابن عبّاس وابن المسيّب‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ إنّ الحائض إذا أرادت العبور في المسجد فإن خافت تلويثه حرم العبور عليها، وإن أمنت التّلويث جاز العبور على الصّحيح‏.‏

وعند الحنابلة تمنع الحائض من المرور في المسجد إن خافت تلويثه‏.‏

دخول الصّبيان والمجانين المسجد‏:‏

7 - قال النّوويّ‏:‏ يجوز إدخال الصّبيّ المسجد وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمّن لا يؤمن منه تنجيسه‏.‏

وصرّح المالكيّة بعدم جواز إدخاله المسجد إن كان لا يكفّ عن العبث إذا نهي عنه، وإلاّ فيكره‏.‏ وكذلك المجانين، لما ورد مرفوعاً‏:‏ «جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلّ سيوفكم، واتّخذوا على أبوابها المطاهر وجمّروها في الجمع»‏.‏

دخول الكافر المسجد‏:‏

8 - اختلف الفقهاء في جواز دخول الكافر المسجد، فذهب الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة إلى أنّه يحرم دخوله المسجد الحرام، ولا يكره دخوله غيره‏.‏

إلاّ أنّ جواز الدّخول مقيّد بالإذن على الصّحيح عند الشّافعيّة والحنابلة، سواء أكان جنباً أم لا، لأنّه لا يعتقد حرمته‏.‏

فلو جلس الحاكم فيه للحكم، فللذّمّيّ دخوله للمحاكمة، وينزّل جلوسه منزلة إذنه‏.‏

ويرى الحنفيّة جوازه مطلقاً إلى المسجد الحرام وغيره، لما روي «أنّه صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد، وكانوا كفّاراً، وقال‏:‏ ليس على الأرض من نجسهم شيء» وكرهه المالكيّة وهو رواية عند الحنابلة مطلقاً إلاّ لضرورة، كعمارة لم تمكن من مسلم، أو كانت من الكافر أتقن‏.‏

دخول الحمّام‏:‏

9 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ دخول الحمّام مشروع للرّجال والنّساء، لما روي‏:‏ «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل الحمّام وتنوّر» ‏"‏ استخدم النّورة ‏"‏، ودخل خالد بن الوليد حمّام حمص، وكان الحسن وابن سيرين يدخلان الحمّام، ولكنّ إباحة الدّخول مقيّدة بما إذا لم يكن منه كشف العورة، وبغير ذلك من الشّروط الّتي تختلف باختلاف كون الدّاخل رجلاً أو امرأةً‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏حمّام‏)‏‏.‏

دخول الخلاء‏:‏

10 - يسنّ لداخل الخلاء تقديم رجله اليسرى، ويقول عند الدّخول‏:‏ باسم اللّه، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث‏.‏ لأنّ التّسمية يبدأ بها للتّبرّك، ثمّ يستعيذ‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏قضاء الحاجة‏)‏‏.‏

دخول مكان فيه منكر‏:‏

11 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يجوز الدّخول بقصد المكث والجلوس إلى محلّ فيه منكر‏.‏ ويجب الدّخول إذا كان المنكر يزول بدخوله لنحو علم أو جاه، لإزالة المنكر‏.‏

دخول المسلم الكنيسة والبيعة‏:‏

12 - يرى الحنفيّة أنّه يكره للمسلم دخول البيعة والكنيسة، لأنّه مجمع الشّياطين، لا من حيث إنّه ليس له حقّ الدّخول‏.‏

وذهب بعض الشّافعيّة في رأي إلى أنّه لا يجوز للمسلم دخولها إلاّ بإذنهم، وذهب البعض الآخر في رأي آخر إلى أنّه لا يحرم دخولها بغير إذنهم‏.‏

وذهب الحنابلة إلى أنّ للمسلم دخول بيعة وكنيسة ونحوهما والصّلاة في ذلك، وعن أحمد يكره إن كان ثمّ صورة، وقيل مطلقاً، ذكر ذلك في الرّعاية، وقال في المستوعب‏:‏ وتصحّ صلاة الفرض في الكنائس والبيع مع الكراهة، وقال ابن تميم‏:‏ لا بأس بدخول البيع والكنائس الّتي لا صور فيها، والصّلاة فيها‏.‏

وقال ابن عقيل‏:‏ يكره كالّتي فيها صور، وحكى في الكراهة روايتين‏.‏

وقال في الشّرح‏.‏ لا بأس بالصّلاة في الكنيسة النّظيفة روي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى وحكاه عن جماعة، وكره ابن عبّاس ومالك الصّلاة في الكنائس لأجل الصّور، وقال ابن عقيل‏:‏ تكره الصّلاة فيها لأنّه كالتّعظيم والتّبجيل لها، وقيل‏:‏ لأنّه يضرّ بهم‏.‏

ويكره دخول كنائسهم يوم نيروزهم ومهرجانهم‏.‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإنّ السّخطة تنزل عليهم

دخول البيوت‏:‏

13 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز للمرء دخول بيت مسكون غير بيته إلاّ بعد الاستئذان والإذن له بالدّخول، وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏استئذان‏)‏‏.‏

ثانيًا‏:‏ أحكام الدّخول بالإطلاق الثّاني الوطء

أثر الدّخول في المهر‏:‏

14 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من سمّى مهراً لزمه بالدّخول، لأنّه تحقّق به تسليم المبدل، وإن طلّقها قبل الدّخول لزمه نصفه، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ‏}‏‏.‏وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏مهر‏)‏‏.‏

أثر الدّخول في العدّة‏:‏

15 - أجمع الفقهاء على أنّ الطّلاق إذا كان بعد الدّخول، فالعدّة لغير الحامل ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر على حسب الأحوال، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ‏}‏‏.‏

وعدّة الحامل وضع حملها لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏‏.‏

وعدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيّام لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً‏}‏‏.‏

وإذا كان الطّلاق قبل الدّخول فلا عدّة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا‏}‏‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏عدّة‏)‏‏.‏

درء الحدّ

انظر‏:‏ شبهة، حدود‏.‏